فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله.
وحرف في على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة.
ويجوز وجه آخر وهو أن يكون {ادارك} مبالغة في أدْرَك ومفعوله محذوفًا تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملًا في معنى التحقق، ويكون حرف في على أصله من الظرفية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر {بل أدرك} بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة.
يقال: أدرك، إذا فني.
وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أئمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في الكشاف في هذه الآية وصاحب القاموس.
وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحدًا قال: أدرك الشيء إذا فني.
وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في تاج العروس لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات.
قال الكواشي في تبصرة المتذكر: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها.
فحاصل المعنى على قراءة الجمهور {وما يشعرون أيان يبعثون} وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة.
وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة.
أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشرًا.
وأما جملة {بل هم في شك منها} فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكًا من وقوع الآخرة.
و{من} للابتداء المجازي، أي في شك ناشيء عن أمر الآخرة.
وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم.
وجملة {بل هم منها عمون} ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة.
و{عمون} جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى.
وقال زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ** ولكنني عن علم ما في غدً عم

فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس.
ومن في قوله: {منها عمون} للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشيء لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم.
وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق ب {عمون}.
وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة.
وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله: {بل هم في شك منها}.
وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولًا بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شئونها علمًا مضطربًا أو جهلًا فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد.
ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلًا من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعًا على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفًا عند الكلام على قراءة الجمهور {أدّارك} من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.
وضمائر جمع الغائبين في قوله: {يشعرون ويبعثون علمهم هم في شك هم منها عمون} عائدة إلى من الموصولة في قوله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}.
ومن هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي.
والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصًا للعموم يقرب من أن يكون خلافًا لفظيًا.
ومنه قوله تعالى: {وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن} [البقرة: 228] فإن ضمير {بعولتهن} عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.
وبهذا تعلم أن التعبير ب {الذين كفروا} [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق من في قوله: {لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب}. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)}.
أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه الآية الكريمة أن المعنى: بل ادراك علمهم: أي تكامل علمهم في الآخرة، حين يعاينونها أي يعلمون في الآخرة علمًا كاملًا، ما كانوا يجهلونه في الدنيا، وقوله: {بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي في دار الدنيا، فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل، يعلمونه في الآخرة علمًا كاملًا لا يخالجه شك، عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث، والجزاء.
وإنما اخترنا هذا القول دون غيره من أقوال المفسرين في الآية لأن القرآن دل عليه دلالة واضحة في آيات متعددة كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [مريم: 38] فقوله: أسمع بهم، وأبصر يوم يأتوننا بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم للحق الذي كانوا ينكرونه يوم يأتوننا: أي يوم القيامة، وهذا يوضح معنى قوله: {بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} أي تكامل علمهم فيها لمبالغتهم في سمع الحق وإبصاره في ذلك الوقت. وقوله: {لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [مريم: 38] يوضح معنى قوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} لأن ضلالهم المبين اليوم: أي في دار الدنيا، هو شكهم في الآخرة، وعماهم عنها. وكقوله تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ} [ق: 22] أي علمك اليوم بما كنت تنكره في الدنيا مما جاءتك به الرسل حديد: أي قوي كامل.
وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة الشورى، في الجواب عما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45]، وقوله تعالى: {فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ} [ق: 22] أن المراد بحدة البصر في ذلك اليوم: كمال العلم وقوة المعرفة. وقوله تعالى: {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] فقوله: {إنا موقنون} أي يوم القيامة، يوضح معنى قوله هنا: {بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة}، وكقوله تعالى: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفًَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} [الكهف: 48] فعرضهم على ربهم صفًا يتدارك به علمهم، لما كانوا ينكرونه. وقوله: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} [الكهف: 48] صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء، كما ترى إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم أن قوله: {بل ادارك} فيه اثنتا عشرة قراءة اثنتان منها فقط سبعيتان، فقد قرأه عامة السبعة، غير ابن كثير وأبي عمرو: بل ادارك بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك بوزن: تفاعل: وقد قدمنا وجه الإدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن، وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117] وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل أدرك بسكون اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل.
والمعنى على قراءة الجمهور: بل ادارك علمهم: أي تدارك بمعنى: تكامل. كقوله: {حتى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف: 38] وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك.
قال البغوي: أي بلغ ولحق. كما يقال أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، والإضراب في قوله تعالى: {بَلِ ادارك} {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ} {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} إضراب انتقالين والظاهر أن من في قوله تعالى: {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} بمعنى عن، وعمون جمع عم، وهو الوصف من عمى يعمى فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 64] وقول زهير في معلقته. اهـ.

.قال الشعراوي:

{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}.
{يجيب} الإجابة هي تحقيق المطلوب لداعية، والمضطر: هو الذي استنفد الأسباب، وأخذ بها فلم تُجْدِ معه، فليس أمامه إلا أنْ يترك الأسباب إلى المسبِّب سبحانه فيلجأ إليه؛ ذلك لأن الخالق عز وجل قبل أنْ يخلق الإنسان خلق له مُقوِّمات حياته وضرورياتها وسخَّرها لخدمته.
لذلك جاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له».
ثم خلق الله لك الطاقة التي تستطيع أن تُسخِّر بها هذه الأشياء وضمن لك القوت الضروري من ماء ونبات، فإنْ أردتَ أنْ تُرفِّه حياتك فتحرك في الحياة بالأسباب المخلوقة لله، وبالطاقة الفاعلة فيك، وفكِّر كيف ترتقي وتُثرِي حركة الحياة من حولك.
فالماء الذي ينساب في داخل البيت حين تفتح الصنبور، والضوء الذي ينبعث بمجرد أن تضغط على زر الكهرباء، والسيارة التي تنقلك في بضع دقائق، كلها ارتقاءات في حركة حياة الناس لما أعملوا عقولهم فيما أعطاهم الله من مادة وعقل وفكر وأسباب، وهذه كلها يد الله الممدودة لعباده، والتي لا ينبغي لنا ردّها.
فإذا ما حاولتَ ولم تفلح، ولم تثمر معك الأسباب، فعليك أنْ تلجأ مباشرة إلى المسبِّب سبحانه، لأنه خالقك والمتكفِّل بك.
واقرأ قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا} [يونس: 12] ويا ليته ساعةَ دعا ربه ولجأ إليه فاستجاب له يجعل له عند ربه رَجْعة، ويتوقع أنْ يصيبه الضُّر مرة أخرى؛ لكن إنْ كشف الله عنه سرعان ما يعود كما كان.
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يونس: 12].
{أَمَّن يُجِيبُ المضطر} [النمل: 62] فالمضطر إذن لابد أنْ يُجيبه الله، فمَنْ قال: دعوتُ فلم يُستجب لي. فاعلم أنه غير مضطر، فليست كل ضائقة تمرُّ بالعبد تُعَدُّ من قبيل الاضطرار، كالذي يدعو الله أن يسكن في مسكن أفضل مما هو فيه، أو براتب ودَخْل أوفر مما يأخذه. إلخ، كلها مسائل لا اضطرارَ فيها، وربما علم الله أنها الأفضل لك، ولو زادك عن هذا القدر طغيتَ وتكبرتَ.
كما قال الحق سبحانه وتعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 67].
فلقد طلبتَ الخير من وجهة نظرك، وربُّك يعلم أنه لا خيرَ فيه {وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولًا} [الإسراء: 11].